ثقافة تكديس الأشياء وعلاقتها بالزواج


pins-641399_960_720

مِن المُلاحظ اليوم ارتفاع تكاليف الحياة الكريمة التي يطمح الغالب مِن النّاس في الوصول إليها وتحقيقها زَعمًا منهم أنّها ستُحقق لهم الراحة والهناء والسعادة الأبدية. وستَجد أنّ الزوجان “الأب والأم” في بداية حياتهما يسعَيان بكل جهدِهما لتوفير المستقبل الآمن لأولادِهما كالسكن الكبير الواسع المريح الذي يجمعهم طيلة الحياة. والتعليم المناسب الذي يضمن لهم مكانًا مرمُوقًا بالمجتمع. ثمّ يأتي بعد ذلك الزواج بالصورة التي عليه اليوم، والتي ما كانت إلّا نتيجة لطبيعة الاهتمام بالأمور السابق ذكرها. ما يعني أنّ جُلّ حياتهم سوف يتركز حول توفير هذه المتطلبات والتي تجيء مع الاعتقاد السائد أنّ هذا هو مفهوم الحياة الكريمة التي نصْبو إليه “سكن كبير، تعليم راقي، زواج فخم”.

إنّ أصدَق قوْل يمكن أنْ ينطبق عليه حالُنا اليوم هو قول مالك بن نبي فينا حين تحدث عن تكديس الأشياء: “إن علينا أن نكوّن حضارة، أي أن نبني لا أن نكدس. فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس”[1]

ملاحظة: قد أُبالغ في توصيف بعض الأفكار لأُظْهر مدى سَوْءة المُبالغة في الاهتمام بها.

كتالوج

قد لا أقتنع بدعوى ذلك الشاب الذي يطالب بتيسير الزواج حتى أرى قائمته بمواصفات الكفاءة الزوجية بالنّسبة له. فأي مِصْداقية ستُمثلها هذه الدّعوة بالنسبة لِمَن يسمعها حينما يطّلع على جزء من تفاصيل حياته التي لا تمُت إلى منهج التيسير بشيء، بداية من مصروفه الشخصي إلى تفاصيل حياته المعيشية والدراسية وغيرها.

تكديس الفرح

فأفراحُنا كثيرة ومتعددة ومتنوعة ما شاء الله، تختلف أسمائها باختلاف طُقوسها فهذه حفلة إشْهار ومِلاك وهذه حفلة الحِنّة وجهاز العروس وهذا حفل الشباب وأخيرًا حفل الزفاف ولا تنسوا بعدها تُستكمل مراسيم الفرح بحفلة الصباحية والأسبوع “حفلة التهاني والتبريكات”…. وغيرها من مظاهر العادات والتقاليد لدينا في المُبالغة بالأفراح. ناهيك عن تبعاتها الاقتصادية من الغذاء والعشاء والتحلية.

تكديس الأشياء في بيت الزوجية

وعُنوانه خِزانة ملابس تكفي لعشرة أشخاص … وأدوات مطبخ تكفي لإِطعام قبيلة … غرفة أطفال وغرفة معيشة وغرفة ضُيوف ويفضّل أن تكون هناك غرفة “للكراكيب”!!!

نظرة مُختلفة

المفهوم الذي أود إيصاله أنّنا نُريد أنْ نُفكر بهذه الأشياء مِن ناحية فعَاليتها وعدَمها. الحري بنا أن نسأل أنفسنا عن مقصِد تحقيق هذه الأشياء؟ وماذا يعني حقًا امتلاكنا لها من عدمه؟ وهل حقًا لن نستمْتع بحياتنا إلّا إذا حقّقنا أو امتلكنا هذه الأشياء؟؟ ألا تستقيم الحياة بدونها؟ كثيرًا ما أقرأ للدكتور بكار قاعدة اقتصادية عظيمة “استغناؤك عن الشيء خير من استغناؤك به”[2] وأتذكر بها قول عمر بن الخطاب لجابر “أو كلما اشتهت اشتريت”، وقصة المسجد التركي الشهير “كأنني أكلت”[3] وغيرها من المبادئ جميلة التي تجعلُك تُراجع نفسك في كلّ خطوة تُقدم عليها في حياتك، بداية مِن مقصِد وجودِك على هذه الدنيا إلى مقصِد كلّ شيءٍ تقوم به لتحقيق أيّ مُتعة مِن مُتع الدُنيا.  ولا أدْعو برسالتي هذه إلى التنَطّع والزُهد في الدنيا لأبْعد الحدود وإنما الاكتفاء من الأشياء بقدرها وبما يحقق المصلحة وألّا تُعطى أكثر مما تستحقه.

رأيٌ في مُؤسّسات تيسير الزّواج

بالتأكيد سمِعتم عَن مُؤسسات تيسير الزّواج الخيرية الّتي انتشر صيتُها الفترة الأخيرة، وما كان ظُهورها إلّا لحاجة اختراع منهج لتيسير طريق العفاف والإحصان على الشباب، بما تُقدمه من استشارات وخدمات. ومن خلال بحثي المتواضع حولها على محرك البحث الشهير “Google” وجدت أنّ هذه الخدمات تقتصِر على تكاليف حفلة الزّواج وتجْهيز بيت الزّوجية بما يتطلبه من أثاث وأجهزة كهربائية. وما على المشترك – للاستفادة من خدماتها – سوى أن يجلب عقد القِران. وقد تقوم بعضها بدور “الخاطبة” لتُسهّل عليهم مهمة الاختيار في حال صعوبة التطبيق.

المنطقي في خدمات هذه المؤسسات هو تقديمها لخدمة “الخاطبة” وخدمة “تجهيز بيت الزّوجية” أمّا الغير منطقي هو الحديث عن تكاليف حفلة الزواج. هذه التكاليف لا تقارن أهميتها مثلًا بأهمّية المهر مثلًا. في حين لو أنّ هذه المؤسسات أمعنت النظر بالواقع جيدًا ستجد أن ما يشغل بال الشباب أولًا وأخيرًا هو تحصيل المهر وليس التفكير بتفاصيل حفلة الزواج التي يمكن الاستغناء عن الكثير منها. او يمكن القول بصيغة أخرى أن المهر من أهم ما يترتب على عقد الزواج ومن أهم ما يسعى إليه الشاب حين التفكير في الزواج.

أخيرًا … بعض العائلات لا يحتاج شبابها للذهاب إلى هذه المؤسسات فقد تكفّل أغنيائُها بتوفير كافة متطلبات الزّواج لهم شريطة أنْ يكون الواحد منهم غير عاطِل عن العمل. وهي رسالة خطيرة مفادها أن هناك من الأغنياء من قد يتبنى هذه الفكرة لخصوص شباب عائلته لكن لا يجعله هذا أنْ يتنازل عن شرط العمل. وهي رسالة أيضًا لمجموع الأغنياء والميسورين أن يتبنوا هذه الفكرة ويطبقوها على عائلاتهم.

لا أقول بجزم حول هذه المؤسسات، ولأجل ذلك فإننا نحتاج إلى نماذج نجحت في تيسير زواجها من خلال الاستفادة من خدماتها، ونماذج أخرى نجحت من غير هذه الواسطة، وتقديمها للمجتمع في صورة قصص نجاح تساهم في تعزيز نشر الوعي بهذا المنهج.


[1] مالك بن نبي-تأملات – موقع Goodreads

[2] الصحوة الإسلامية..صحوة من أجل الصحوة، اكتشاف الذات _ عبدالكريم بكار

[3] القصة موجودة على موقع طريق الإسلام.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s