مشروع قومي اجتماعي


كنت قد هممت بنشر هذه المقالة بعنوان “تيسير الحياة …نظرة إلى المستقبل” ولكن بعد أن قرأت ما نشر للدكتور الزنداني [1]حول ما يعتبره حلًا لمشكلة الزواج لدينا والذي يعتمد فيه على مساهمة الأسرة بشكل كبير. قررت تغيير العنوان.

كثيرًا ما نستشهد بكفاءة الرد الأمريكي على الإنجازات السوفيتية[2] حين حققت الأخيرة أول هبوط لها على القمر. حيث زرع ذلك فيهم طموحًا واسعًا للوصول كما وصلوا مما دفعهم لتغيير مناهجهم التعليمية وتطوير قدرتهم المادية وتوجيه كل امكانياتهم لتحقيق هذه المهمة. حين تقرأ حول هذا الموضوع ستجد أن هذا الحلم الذي كانت تسعى إليه الإدارة الأمريكية كان أشبه بمشروع قومي للبلاد انتمى إليه الجميع، وأصبح الكل ينظر إليه بعين الشغف واللهفة للحظة الحاسمة لتحقيقيه. وتم لهم ما يريدون.

ما القصة؟

دائمًا ما أفكر بالمستقبل. مستقبلي ومستقبل أبنائي وعن الحياة الكريمة التي أسعى لتوفيرها لهم. هل حقًا سأحب لهم نفس الظروف التي عشتها؟ أتساءل حقًا كيف لي أن أَخزِن مجهودًا لهم يستطيعون به تخطي مراحل حياتهم الأولى فيدخرون جهدهم الأول في تحقيق طموحاتهم بدلاً من استنزافه في توفير حاجاتهم الأساسية؟ كيف أوفر لهم حياة يتجنبون فيها مواجهة المشكلات التي وقعت بها نتيجة للظروف المحيطة بي في ذلك الوقت الذي عشت فيه؟

إذا كان الأصل في ديننا أن تقوم الدولة بتوفير كفاية حاجة مواطنيها، وتلوح بالأفق صورة الخليفة عمر بن عبد العزيز وهو يكفي الناس مأكلهم وملبسهم والمسكن والركوبة، ويقوم بالعمل على تزويج من أراد الزواج، فإن تفكيرًا يطغى علي ويطرح سؤالا غريبًا لماذا لا أكون أنا الخليفة لأبنائي؟؟ لما لا أكون أَمير المؤمنين في أسرتي؟؟ لمَ أنتظر الدولة أن تحقق لي ذلك وأنا على رأس مملكتي والأَولى أن تكون مهمتي الأساسية أن أوفر لهم الضروريات والحاجيات وما استطعت من التحسينات؟؟ مع العلم أن عصر الازدهار هذا ما هو إلّا جُهد تراكمي بدأ منذ عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم r والصحابة أجمعين. وظهرت نتيجته جلية في عهد عمر بن عبد العزير. وإذا نظرنا للحل الذي طرحه الشيخ الزنداني سنجد أنه من غير المعقول والمنطقي أن نسند للأسرة مهمة غير مؤهلة لها بعد أو بالأحرى لم تخطط للقيام بها.

ما المهمة المطلوبة؟

تقول بعض الدراسات الأسرية[3] أن من أكبر المهمات المناطة بالأسرة هو اشباع حاجات أفرادها. ووفقًا لهرم ماسلو[4] للاحتياجات فإن على الأسرة توفير الاحتياجات الموجودة في قاعدة الهرم أو ما يعبر عنها بالحاجات الفسيولوجية. وسنجد من خلال الاطلاع على الهرم أنه قدم حاجة “الجنس” على حاجة “الأمن الوظيفي” وحاجة “تكوين العائلة”. وهذا على حد علمنا وفهمنا يتناقض بشكل كلي مع مقاصد الشارع التي تعتبر في أصل ديننا حاجات وكليات أساسية. فأول هذه المقاصد هو حفظ الدين، ويمكننا القول إن الزواج يندرج تحت هذه الكلية اعتبارًا بقوله صلى الله عليه وسلم “إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله فيما بقي” صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة. فإن ترتيب الاحتياجات وفق الهرم الذي نعتد به (الكليات الخمس) يربط بين حاجة “الجنس” وحاجة “تكوين العائلة” بدرجة واحدة وبرباط الزواج. ومنها أي المقاصد حفظ النسل نستشف تصريحًا مباشرًا على الزواج.

وعليه فإننا نعتبر الزواج يقع ضمن المنظومة التربوية للأسرة والتي تعني بإشباع حاجات أفرادها. فالأسرة المسؤولة هي التي تعمل بشكل تراكمي على إشباع هذه الرغبات في وقت حاجتها. ونستشهد هنا بقول للشيخ الطنطاوي حين سئل عن السن المناسب للزواج فأجاب: الوقت الطبيعي للزواج هو وقت البلوغ.[5] وهي رسالة يرسلها الشيخ إلى الآباء والامهات أن كفاية حاجة أبنائكم بالزواج تقع بالتساوي ضمن اعتقادكم بأهمية حاجتهم للمأكل والملبس والمسكن. فتلك هي حاجات متساوية وينبغي الاعتناء بها على قدر متساوي.

أما بالنسبة لتحقيق حاجة الأمن الوظيفي فعناية الشارع جاءت وفق مقصد حفظ النفس الذي يحقق الأمن على كل مستوياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومنه يمكن القول إن دور الأسرة يقع في خلق بيئة العمل التي تعزز معنى الاستقلال والمسؤولية في سن الطفولة. انه بذلك أي الطفل سينشأ في جو تربوي يحث على العمل والإنتاج والاعتماد على الذات. ومثال على ذلك كأن يضع الزوجان قاعدة أسرية ” اخدم نفسك بنفسك ولا تنتظر أحد” بدلاً من قاعدة الكبير يخدم الصغير أو الأخت تخدم الأخ والام تخدم الكل وغيرها من المفاهيم المغلوطة التي تحد من تحمل المسؤولية وتقلل من شأنها. وأيضا أن يساهم الزوجان في خلق بيئة العمل كأن يوفران لنفسيهما مصدر دخل إضافي يكون بمثابة الحاضنة العملية لأولادهما في تربيتهم على المسؤولية وعدم سؤال الغير. بالإضافة الى أهمية اللامركزية حين يفوض الأب أحد أبنائه القيام بتدير الشئون المالية للأسرة لمدة زمنية معينة. فهذا تكليف مباشر بالمسؤولية يعتبر اختبارًا عمليًا في تحقيق هذا المقصد. وغيرها الكثير من الخطوات العملية التي تمكننا بناء هذه القناعة وهذا المبدأ في نفوس وعقول أبنائنا.

ان الأسرة التي تنتظر أن يكون أفرادهًا مسؤولون حتى تفكر في تزويجهم تفشل في تحقيق مقاصدها. بل إن الزواج في الأصل هو تحقيق لمبدأ المسؤولية. فلا يكون المرء مسؤولًا إلا إذا كان في موضع مسؤول.

ما المشروع؟

ربما لم أقصد بكلمة مشروع المفهوم العملي والتخطيطي لها وإنما الذي أقصده أن يصبح ما سبق توجهًا تعتمده الأمة وتُجمع عليه. ويصبح لها منهجًا وطريقة. مشابهًا لنفس المثال الذي ذكرته في أول المقال. والأمل في شبابنا اليوم الذين يعايشون أوضاعًا صعبة، ومصائب جمة، أن يكونوا النواة الأولى لهذا المشروع كونهم آباء وأمهات المستقبل. فإشكالية تيسير الزواج ليس من السهل حلها ببعض تعديلات شكلية لا تصل إلى لب المشكلة وأصلها الذي ارتبط بأبعاد وجوانب متعددة. وانما يأتي بحل يعالج هذه الأبعاد والجوانب يقضي عليها من جذورها.


[1] مقال بعنوان”زواج فريند” –الشبكة الاسلامية

[2] الهبوط على سطح القمر- موسوعة ويكبيديا

[3] دراسة بعنوان”الدور الأمني للأسرة-محمد المباركي، المشكلات الأسرية-أميرة عبيد-موقع المربي

[4] هرم ماسلو للاحتياجات-موسوعة ويكبيديا

[5] مع الله-علي الطنطاوي-ص204

Advertisements

2 thoughts on “مشروع قومي اجتماعي

  1. على صعيدي الشخصي قد اتخذت قراري في تزويج أبنائي في سن مبكر، وأبذل في ذلك جهدي ما استطعت
    فبداية أوكل لهم مهمات بمقابل أجر مادي من قبلي (وهذا لخوفي من تعريضهم للعمل الخارجي، لما كانوا صغار في العمر).
    (لما بلغو المرحلة الاعدادية بدأت معهم مشاريع عمل صغيرة، مثل: بيع البرد على شاطئ البحر، بيع البرتقال على قارعة الطريق، بيع دواجن الجدة في السوق مع نسبة ربح)
    (حاليا: الولد الأكبر يطالبني بالتحويش لثمن رخصة قيادة ليتعلمها، ويعمل كسائق لدى مكتب تاكسيات عمه)
    (ولاحظت ميل الولد الثاني إلى الانترنت والفيسبوك، وسأبدأ معه مشروع الربح عن طريق الانترنت كبداية)
    وإن شاء الله ييسر الله الأمور، ويساهم هذا كله في بداية الحياة الحقيقية لهم، وتوفير مصدر دخل يمكن من خلاله بدء فتح بيت، وإمكانية زواج مبكر.

    رجاء حار: أتمنى من الاخوة القراء أن يثري كل منهم الموضوع باقتراحات لمشاريع عمل تناسب الأبناء في سنوات عمرهم المختلفة، وفق معطيات سوق العمل في قطاع غزة، وبارك الله فيكم

  2. جميل جدًا ثق بأن حياتهم ستكون أفضل لأن أباهم رجل مسؤول
    الاطفال يحبون البيع كثيرًا لا أدري لماذا..أذكر ان أخي الصغير ألح على أهلي كثيرًا ليفتح لنفسه “بسطة حاجات” في حارتنا لكن أهلي رفضوا ولكن بعد الحاح رضوا أن يفتح بسطة بمشاركة اولاد أعمامة في عمارة العائلة وكانت النتيجة ناجحة ومثمرة حتى أن أولاد الجيران أصبحوا ياتوا ليشتروا منه. لكن أهلي لم يرضوا له بالاستمرار. فقط سمحوا له باقامة التجربة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s